اسماعيل بن محمد القونوي
526
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ونظيره قول الهذلي ) هو أبو خراش خويلد بن مرة يرثي به خالد بن زهير الهذلي وقد قتل وقامت الطير عليه ولزمته تأكله وكان خالد رجلا عظيم القدر فاستعظم الشاعر لحمه ونكره وأبو خراش كان من فرسان العرب وفصحاء شعرائهم وكان يعدو على قدميه فيسبق الخيل ثم أسلم وحسن إسلامه ومات في زمن عمر رضي اللّه تعالى عنه من نهش حية كذا نقل . قوله : ( فلا وأبي الطير ) ولفظة لا رد للكلام السابق أو رد لما يتوهم من تحقيره بأكل الطير له أو كلمة لا زائدة كما في قوله تعالى : لا أُقْسِمُ [ القيامة : 1 ] والواو في وأبي الطير للقسم وأبي إما جمع آب إذ أصله أبين حذفت النون بالإضافة والمعنى أقسم بآباء الطير والغرض تعظيم الطير بخلف أبيها والمقصود منه تعظيم لحمه فتعظيم أبيها راجع إلى وأحسن من جعله ما بعد أي التفسيرية لأن الإخبار عن العالم بأنه قديم في جواب قول السني أهم عند الفلسفي من الإخبار عنه بأنه هو ما يعلم به الصانع بل ليس غرضه ومدعاه هذا وإنما مدعاه ما ينفي قول الخصم ويقابله والهدى عند أهل الحق خلق الاهتداء في العبد وعند المعتزلة اللطف من اللّه والتوفيق واللطف عندهم ما يختار العبد المكلف عنده الطاعة بمعنى قوله وأوتوه من قبله أوتوه بتوفيقه ولطفه والفاء في قوله الأفضل فالأفضل مثل الفاء في قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « الأمثل فالأمثل » فهي للتعقيب على سبيل الاستمرار إلى ما لا نهاية المعنى إذا ساعدتهم الالطاف من ربهم وتداركهم التوفيق اقتدارا على عمل من الأعمال الصالحة وهذا العمل يستنزل لهم لطفا جديدا فيدعو ذلك اللطف إلى عمل آخر أعلى من الأول فاللطف يدعو إلى العمل والعمل يدعوا إلى استجلاب اللطف فلا يزال اللطف والعمل يتناوبان حتى يتمكنوا على الأعمال فيصير ذلك فيهم ملكة راسخة وإليه ينظر من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم وروي عن الجنيد الحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة والذنب بعد الذنب عقوبة الذنب . قوله : لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره في الأساس سله عن كنه أمر أي عن حقيقته وكيفيته واكتنه الأمر بلغ كنهه وغايته وفي الأساس قدرت الشيء اقدره وهذا شيء ولا يقادر قدره وقدرت أن فلانا يفعل كذا وفلانا يقادرني يطلب مساواتي وتقادر الرجلان طلب كل واحد منهما مساواة الآخر . قوله : فلا وأبى الطير المبيت نقل عن صاحب الكشاف أنه كان يقول ما افصحك يا بيت قال القطب كان خالد قد قتل والطير أقامت عليه تأكله فاستعظم الشاعر لحمه حيث نكره والتفت إلى الخطاب له وبسبب تعظيم اللحم استعظم الطير الواقعة عليه حيث اقسم بها ثم ما اكتفى بالقسم بها بل اقسم بأبي الطير وصدر القسم بلا كما في لا اقسم وأبي أي أبين سقط نونه بالإضافة وأرب بالمكان إذا أقام ولزم إلى هنا كلامه قيل لا حاجة إلى جعل أبي جمعا على الشذوذ فالوجه أن يكون مفردا وياؤه أصلي فإن أصل أب أبو قال الطيبي كان خالد هذا رفيع الشأن على القدر فاستعظم لحمه حيث نكره وبسبب تعظيم اللحم استعظم الطير الواقعة عليه حيث أقسم بأبيها والإقسام بالشيء دليل تعظيمه وكذلك الكنى يدل على التعظيم ثم إن جعلت لا زائدة كان جواب القسم لقد وقعت وفيه إشارة من حيث الالتفات إلى التعظيم ومن حيث إن سبب الإقسام بها كونها واقعة على ذلك اللحم وفيه تعظيم الشيء بنفسه فيعود إلى معنى قول الطائي ( وثناياك أنها عريض ) أي صافية نقية وقوله تعالى : حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 1 - 3 ] وإن لم يجعل لا زائدة ردا للكلام السابق يكون المعنى ليس الأمر كما زعمت وحق أبي الطير المقول في حقه ذلك .